محمد هادي معرفة
356
التمهيد في علوم القرآن
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ . ثم يعود إلى ذلك المعنى مرة أخرى فيقول : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ « 1 » فيرسم صورة الحرث تأخذه الريح فيها برد يضرب الزرع والثمار فيهلكها ، فلا ينال صاحب الحرث منه ما كان يرجو بعد الجهد فيه ، كالذي ينفق ماله وهو كافر ، ويرجو الخير فيما أنفق ، فيذهب الكفر بما كان يرجوه ولا يفوتنا ما في جرس كلمة « صرّ » من تصوير لمدلولها ، وكأنما هو قذائف صغيرة تنطلق على الحرث فتهلكه . ويريد أن يبرز معنى : أنّ اللّه وحده يستجيب لمن يدعوه ، وينيله ما يرجوه ، وأن الآلهة التي يدعونها مع اللّه لا تملك لهم شيئا ، ولا تنيلهم خيرا ولو كان الخير قريبا ، فيرسم لهذا المعنى هذه الصورة العجيبة : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ . « 2 » وهي صورة تلحّ على الحسّ والوجدان ، وتجتذب إليها الالتفات ، فلا يستطيع أن يتحوّل إلّا بجهد ومشقّة ، وهي من أعجب الصور التي تستطيع أن ترسمها الألفاظ : شخص حيّ شاخص ، باسط كفّيه إلى الماء ، والماء منه قريب ، يريد أن يبلغه فاه ، ولكنه لا يستطيع . هكذا تخيب آمال الذين كفروا ، وتضيع أعمالهم ، لتبقى عليهم حسرات .
--> ( 1 ) آل عمران : 117 . ( 2 ) الرعد : 14 .